السيرة التوثيقية والتاريخية الشاملة للعلامة محمد بن الطيب الكسيمي الإدريسي
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
إن تدوين سير العلماء المحققين والأعلام الورعين في المنكب البرزخي الشنقيطي ليس مجرد سرد لتاريخ شخصي، بل هو استجلاء لمنارات الهدى التي حفظت على الأمة دينها وهويتها وقيمها في فترات تاريخية عصيبة. وفي طليعة هؤلاء الأعلام الذين جمعوا بين الشرف والعلم الراسخ، يبرز اسم العالم العلامة، القدوة الفهامة، الفقيه الأصولي والقاضي الزاهد محمد بن السالم بن الطيب بن يحيى الكسيمي الإدريسي. تمثل حياته صفحة مشرقة من صفحات العطاء العلمي والمحظري في بلاد الحوض الشرقي الموريتاني، وجسراً متيناً يربط بين النسب النبوي الشريف وبين عمق التحقيق الفقهي المالكي والنوازلي، مما جعله مرجعاً تهابه الملوك والأمراء، وتطمئن إلى فتواه ومراسيله قلوب العامة والخاصة.
القسم الأول: المولد، والنسب الشريف، والنشأة والرحلة المحظرية في طلب العلم
ينتمي المترجَم له إلى قبيلة “إكسيمة” الإدريسية الهاشمية، وهي من بيوتات الشرف والعلم المأثورة في الشرق الموريتاني، والتي عُرفت عبر العصور بإشعاعها المعرفي والديني، وبكونها حاضنة للكتاتيب والعلماء وحفظة كتاب الله. في هذه البيئة المحفوفة بالوقار والمنشغلة بالذكر والتدريس، ولد الشيخ محمد بن الطيب في حدود عام 1882 م، وهي حقبة شهدت بدايات التحولات السياسية الكبرى ودخول الاستعمار الفرنسي إلى المنطقة، مما جعل المحاظر الحصن الحصين للهوية الإسلامية. ترعرع الشيخ في كنف والده وأعمامه، وتلقى تعليمه الأولي في محيطه العائلي، حيث ظهرت عليه مخايل النبوغ والذكاء الخارق منذ صباه، فاستظهر القرآن الكريم كاملاً برواياته في سن مبكرة جداً مقارنة بأقرانه، متقناً لرسومه وضوابطه الأدائية.
مدفوعاً بنهم معرفي لا يرتوي، وشغف عميق بالعلوم الشرعية واللغوية، لم يكتفِ الشيخ بما نهله من معارف في حيه، بل انطلق يضرب في فجاج الأرض متقلاً ظهور الجمال، التي كانت بمثابة سفن تمخر صحاري التحصيل المعرفي، متنقلاً بين كبريات الجوامع والمحاظر الشنقيطية السيارة والثابتة في ربوع الحوض الشرقي. وقد تحمل الشيخ في هذه الرحلات مشاق السفر وعناء الغربة في سبيل حيازة المتون الكبرى وشروحها في الفقه المالكي، والنحو، والصرف، والبلاغة، والأصول.
ومن أبرز المدارس العلمية التي ارتبط بها ونهل من معينها: محظرة الشيخ محمد الأمين ولد الطالب ببكر ومن عاصره من العلماء الأجلاء، حيث درس بها أصول التشريع ومتون اللغة، وحاضرة ولاتة التاريخية العريقة التي كانت مقصداً لطلاب العلم من شتى أقطار المغرب الإسلامي وإفريقيا، بالإضافة إلى محظرة أهل الطالب عثمان، حيث عمّق تضلعه الفقهي وأخذ عن شيوخها السند المتصل في الفروع والنوازل والشرعيات، حتى استوى عالماً محققاً، وفقيهاً أصولياً، ولغوياً بارعاً يُشار إليه بالبنان في مجالس الفتيا والنظر.
القسم الثاني: العلاقة التاريخية بإمارة أهل لمحيميد والفرار من منصب القضاء
بعد أن استوى عِلم الشيخ وذاع صيته في الآفاق كواحد من أبرز علماء وقته، حط رحاله في ربوع إمارة أهل لمحيميد (قبيلة مشظوف)، وتحديداً في عهد الأمير القوي والشهير محمد محمود ولد امحيميد. وقد تلقى الأمير وحاشيته الشيخ محمد بن الطيب بحفاوة بالغة وتكريم عظيم، ينم عن التقدير العميق الذي كان يكنه أمراء المنطقة لحملة الشريعة وأهل البيت النبوي الشريف. ونظراً لما شاهدوه من رجاحة عقله، وسعة علمه بالأحكام والبيوع ونوازل العشائر، عرض عليه الأمير محمد محمود ولد امحيميد منصب القضاء العام والرسمي في الإمارة، وهو منصب رفيع يتبعه الجاه العريض والنفوذ الواسع والسلطة التنفيذية.
وهنا تجلت حقيقة زهد الشيخ وورعه الأخلاقي؛ إذ سار على نهج السلف الصالح من أئمة المذهب والعلماء الربانيين الذين كانوا يفرون من منصب القضاء فرارهم من الأسد، خشية الوقوع في حيف الحكم أو التلبس بشبهات الدنيا ومداهنة أصحاب السلطة، فاعتذر عن تولي المنصب اعتذاراً صارماً وأبى رفد هذا الجاه الفاني، مفضلاً الحرية العلمية والبقاء في محراب التدريس وإصلاح ذات البين والفتيا المستقلة.
ولم تزد هذه العفة والترفع الشيخ إلا رفعة ومكانة في نفوس الأمراء؛ فتوثقت الصلة بين الإمارة وبين الشيخ بالمصاهرة، حيث تزوج من ابنة الأمير محمد محمود ولد امحيميد، (( مريم )) ورزقه الله منها بولده البكر محمد محمود (الملقب حمود)، الذي نشأ على طريق أبيه وأخواله وأصبح علماً يشار إليه بالبنان في العلم والوقار والسيادة الاجتماعية.
وفي وقت لاحق، تزوج الشيخ من ابنة عمه الشريفة الفاضلة توت منت الشيخ البكاي (الملقب الشيخ النعاس) ولد محمد ولد الطالب ولد يحيى لكسيمي، وهي أم باقي أولاده وبناته الأفاضل. وقد أسس معها بيتاً قرآنياً خالصاً، فتربى أبناؤه جميعاً في حجر العلم والقرآن، وصاروا كلهم دون استثناء حفظة وفقهاء مبرزين، وهم على التوالي: إيطول عمرو، التراد، الشيخ، عثمان، محمد يحيى، الحسين، وأبو بكر، ومن البنات: آمنة، وفاطم. وظل آل لمحيميد على مر العقود والأجيال يكنون لأبناء وبنات الشيخ عظيم الاحترام والتبجيل، ويقدمون لهم الصلات والهدايا إكراماً لبركة والدهم وعلمه الشامخ.
القسم الثالث: التحقيق التوثيقي والدلالي لمخطوطات الشيخ وأدعيته المستجابة
ترك العلامة محمد بن الطيب ثروة خطية وكناشات ومراسلات تشهد على تبحره في علوم الرقائق، والأدعية المأثورة، والتحقيق اللغوي والشرعي الأصيل. وعند دراسة وتفريغ الوثائق الخمس المتبقية من إرثه، نجد مادة علمية وروحية بالغة الأهمية تكشف عن جوانب متعددة من حياته ونشاطه المعرفي:
الوثيقة رقم (1): مراسلة أخوية واجتماعية مكتوبة بالمداد الأسود بخط مغربي شنقيطي عتيق، يتحدث فيها كاتبها ( بإملا من محمد.) موجهاً خطابه للشيخ بوصفه من “الأواصل” الأنقياء، وتتطرق المراسلة إلى قضايا مالية ومعاملات مقدرة بـ (خمسين أوفية أو مائة وخمسون)، مما يوضح دور الشيخ كأمين وموثق للحقوق والديون بين الأسر والعلماء في المنطقة.
الوثيقة رقم (2): وثيقة تاريخية فريدة كتبت على ورقة تابعة للإدارة التقليدية المعاصرة له (وتحمل وسم المعلومات والسمات RENSEIGNEMENTS ET VISAS)، وتحتوي على موعظة بليغة تذكر وتدعو إلى المحبة والولاء لجمع الشمل تحت راية الحق والشريعة، مما يؤكد دوره كمصلح اجتماعي يسعى لإطفاء الفتن.
الوثيقة رقم (3): مخطوط فيه مناجاة القلوب وكشف الكروب، يتوسل فيه الشيخ بأسماء الله الحسنى ، ومستحضراً معجزات الأنبياء (تسخير البحر لموسى، والنار لإبراهيم، والحديد لداود، والريح والجن لسليمان)،طلباً للنصر والفتح والمغفرة والرحمة للأمة، وهو ما يعكس التوجه الصوفي السني العالي والصفاء الروحي الذي تميز به.
الوثيقة رقم (4): جزء من كناش أوراد وتحصينات سلوكية ضد الوساوس الخناس والجن، تبرز لجوء عامة الناس وخاصتهم للشيخ لطلب التحصينات الشرعية والأدعية النبوية المستجابة، لما عُرف عنه من ولاية وصلاح واستقامة على جادة الشرع.
القسم الرابع:، صفاته
أما من حيث معالم صورته البهية وصفاته التي رسخت في أذهان تلامذته ومعاصريه وتناقلها الرواة الثقات، فقد كان العلامة محمد بن الطيب رجلاً متوسط القامة، متناسق الهيئة والأعضاء، يتسم بسمت ملؤه الوقار الشديد والسكينة المحظرية. كان معروفاً بين الناس برجاحة العقل الفذة، رصيناً في مجلسه، واسع الصدر، تلوح على أسارير وجهه أنوار الطاعة والعلم والتهجد، مما أكسبه طلعة مهيبة تزرع الهيبة والوقار في قلب كل من رآه أو جالسه من الملوك أو العامة، مقترنة بنزاهة مطلقة وزهد حقيقي في حطام الدنيا.
بعد حياة حافلة بالعطاء العلمي والتربوي، ورحلات مظفرة في بث العلوم الشرعية، وتربية أجيال من الحفظة والفقهاء على متون خليل وابن عاصم والأجرومية، وافت المنية العالم العلامة محمد بن الطيب الكسيمي الإدريسي في عام 1955 م، حيث أسلم روحه الطاهرة لبارئها في موضع تاريخي شهير في الحوض الشرقي يُدعى “بوعليبة”؛ هذا المكان الذي ارتبط بذاكرة المنطقة وأدبها وتناقله وصار خالداً في وجدان الناس ومخلداً في أشعار الأدب الشعبي (“الكافات” والمساجلات) التي قيلت رثاءً وحزناً على رحيل هذا القطب الروحي والعلمي الشامخ. رحم الله الشيخ رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وبارك في عقبه وذريته إلى يوم الدين.
كتبه حفيده : الطيب ابن محمديحي ابن محمد العالم العلامة ابن السالم ابن الطيب ابن يحي ابن اعل ابن الطيب ابن سيدي محمد ابن الطالب احمد ابن عبدالرحمن القاسم
وستجدون مخطوطات ترجع له في عدة مواضيع فقهية في الأرشيف